قصاصات قابلة للحرق

Friday, August 4, 2017

تغييرات ثورية



spc

أطفال بأحد المدارس المصرية
http://www.flickr.com/photos/19479358@N00/4414985125/

ارتجف الجميع عندما ظهر الرجل المهيب، وقد التمعت نظرة الحزم والعزم في عينيه، ومشى بسرعة جعلت الحارسين المرافقين له يلهثان محاولين اللحاق به، وفي النهاية دخل المكتب الفاخر الكبير الذي يتسع للعب نهائي كأس العالم. هذا هو الوزير الجديد الذي يبدو جليًا أنه سيضع الجميع عند حدهم.. لن يكون هناك المزيد من المزاح. التعليم في مصر في خطر.

استدعى وكلاء الوزارة كلهم، وراح يرمقهم بنظرات تشع نارًا، وراح يقلب القلم في يده، ثم قال بصوت اهتزت له القاعة:
"لقد سئمت كل هذا الهراء.. التعليم البديل يزدهر بينما المدرسة الحكومية تذبل وتتحول لخرائب.. لابد من ثورة في التعليم"

ثم راح يملي القرارات على سكرتيره الذي غرق في العرق واحمرت أذناه:
"سنلغي الشهادة الابتدائية.. الثانوية العامة تتكون من عامين متصلين.. نفذ!"

انطلق وكلاء الوزارات بسرعة ينفذون التعليمات، وراح أولياء الأمور يطالعون الصحف في ذعر محاولين فهم ما سيحدث لأبنائهم في الفترة القادمة. إن «حازم بيه أبو الحزم» رجل صارم يعرف ما يقوم به. وأمام بيت الأستاذ «زكي زيتون» تزاحم الطلاب المذعورون الذين يريدون التسجيل عنده في نظام الدروس الخصوصية الجديد، لدرجة أنه اضطر للاتصال بقوات التدخل السريع.

قام الوزير كذلك بحذف أجزاء كاملة من المنهج ذكر فيها السد العالي، والرئيس محمد نجيب، وسليمان الحلبي، وتحتمس الثالث.

بعد أيام اهتزت الوزارة عندما دخل الوزير الجديد، وهو رجل ضئيل الحجم له عوينات رفيعة وابتسامة هادئة ناعسة. التف وكلاء الوزارة حوله يهنئونه وقال السكرتير إنهم سعداء لذهاب عصر الوزير المجنون حازم أبو الحزم، فرفع يده في وقار ليهدأ الجميع، ثم قال بصوت آمر:
"سوف نعيد الشهادة الابتدائية ونضمها للشهادة الإعدادية، ونحذف السنة الأولى الابتدائية.. بهذا يبدأ الطلاب بالسنة الثانية الابتدائية. وسوف تكون الثانوية العامة سنة واحدة"

انطلق كل مسئول ينفذ التعليمات الجديدة، وقد تضايق بعض أولياء الأمور لأن النظام القديم لم يدم أكثر من أسابيع، لكنهم أقنعوا أنفسهم أن هذه التغييرات لصالح أبنائهم.. لم يلحظ أحد وسط كل هذه الضوضاء أن سعر اللحم قد ارتفع، كما تضاعف سعر البنزين والكهرباء.. أما عن المستر زكي زيتون، فقد اضطر إلى تعيين سكرتيرة ثانية تساعد الأولى بسبب كثرة الطلبة وتراكم كراسات التصحيح.

استقرت الأمور لمدة شهر، ثم حدث تغيير وزاري جديد بسيط.

أخيرًا صار «د.عبد القوي شديد» وزيرًا للتعليم، وهو رجل بدين له لغد ضخم متدل، ولا يمكن أن تعرف إلى أين تتجه عيناه أبدًا خلف عويناته السميكة.

كان أول قرار أصدره هو:
"سوف نلغي أي جزء في المناهج يتكلم عن عبد الناصر، ورمسيس الثاني، وطومان باي.. كما أننا سنحذف صورة أستراليا من أطلس الجغرافيا."

ثم أدخل بعض القرارات البسيطة، من بينها جعل الثانوية العامة ستة أعوام وإلغاء المرحلة الابتدائية، وجعل المرحلة الإعدادية أربعة أعوام. ثم إنه قرر عمل مكتب أمن دولة في كل مدرسة، ولسوف يظل هذا الابتكار العبقري شاهدًا على إبداعاته وتفكيره خارج الصندوق. وفي نفس الوقت تقريبًا ارتفعت الأسعار مرة عاشرة وبيعت أراض تابعة للأوقاف بسعر عشرين قرشًا للمتر.

كان الآباء قد تقطعت أنفاسهم وهم يحاولون اللحاق بالتغيرات الثورية التي تتم على مدار الساعة، لهذا كانوا على استعداد لدفع أي مبلغ يطلبه المستر زكي زيتون الذي بدل بسيارته المرسيدس سيارة جاجوار أنيقة براقة، كما أنه غير طباعة المذكرة الخاصة به ووضع صورته على الغلاف مع عنوان كبير (الذكي).

الوزير الذي جاء بعد هذا مط شفتيه في اشمئزاز وراح يردد:
"عك.. أقسم بالله عك!"

كان قد أصيب بالرعب من هذه المهزلة التي وصل لها التعليم، والصدمات الكهربية التي تحدث كل بضعة أشهر، مع حرص كل وزير على أن يغير كل شيء فعله من سبقوه على طريقة تحتمس الثالث مع معابد حتشبسوت.

كان قد رأى تقريرًا قاسيًا عن التعليم في مصر في قناة (الجذيرة) كما كتب اسمها، وقد ضايقه (زالك) جدًا.

قرر الوزير أن تُلغى الثانوية العامة نهائيًا بحيث يدخل الطالب من الشهادة الابتدائية إلى الجامعة مباشرة، وقرر كذلك أن يكون أول صف في التعليم هو الصف الرابع الابتدائي، وهو التالي لكى جي 2. كما قرر عمل مرحلة خاصة اسمها (المخصوص) ينمي فيها الطلبة عقولهم لتطوير قدراتهم على الاختراع.

القرار الثاني الذي أضافه هو أن المطبخ والأجهزة الكهربية والبونبون على العريس.

ساد الارتياح أوساط الناس لهذه التغييرات التي تدعو للتفاؤل، خصوصًا بعد ما أصدر الوزير بعد أسبوع قرارًا ثوريًا بأن الموضة هي التايور البنفسجي مع جوب زرقاء سماوية، والأكمام محلاة بالدانتيل.

انهمك أولياء الأمور في ترتيب أمورهم لهذه القرارات الجديدة، فلم يلحظوا أنه لم يعد هناك شاطئ إسكندرية بل صار كله للمستثمرين، واختفى 5445561 صنفًا من الدواء، وفرضت ضريبة على استهلاك الهواء، لكن أحدًا لم يلحظ ذلك.

أما عن المستر زكي فقد أصابه الإعياء من كثرة الذهاب للبنك لإيداع ماله، حتى أنه صار يصاب بدوار كلما فكر في المال الذي يتكوم عنده. وقد بدأ يحقق حلمه في امتلاك طائرة خاصة، فقط لو وجد وقتًا يدرس فيه فن الملاحة الجوية.

 بعد أعوام من هذه التغيرات تحولت البلاد إلى مستشفى عقلي كبير، يضم كل هؤلاء الوزراء السابقين، ويضم كل الطلاب الذين تخرجوا وسط هذه الطرق التعليمية المتقلبة. فلم تكن البوابة تنفتح إلا كلما أراد أولو الأمر انتقاء أحد الطلاب الذين كبروا ليجعلوه وزير التعليم الجديد.