قصاصات قابلة للحرق

Thursday, May 11, 2017

الكلمة ومستشفى العباسية وأشياء أخرى



spc


الكلمة المكتوبة ضرب من ضروب السحر المذهلة، وفي كل مرة يصيبك العجب وتنتابك الدهشة من تأثيرها.. كل شيء في العالم له تأثير، والحياة حشد من التراكمات الضئيلة التي تؤدي إلى التغيير في النهاية. في قصة (صوت رعد A sound of thunder) لبرادبوري قرأنا عن تأثير الفراشة، حيث تكفل قتل فراشة واحدة بتغيير تاريخ الكرة الأرضية بالكامل بعد ملايين السنين. كل هذا جميل.

لكن الكلمة المكتوبة في مصر تثير انبهارك فعلاً… إنها ظاهرة محيرة.. الشيء الوحيد في العالم الذي لا تأثير له على الإطلاق.. حتى البعوضة والخنفساء يمكن أن تحدثا بعض التأثير كما قلنا، لكنك في مصر تتكلم وتتكلم.. تشكو.. تعرض قضايا.. تتساءل.. توجه أسئلة للمسئولين.. تنتظر ردًا لأن هناك قضية بالغة الخطر.. لا يوجد فارق. أنت تسلي نفسك لا أكثر. مصر تعلمك كيف أن الكلمة لا أهمية لها على الإطلاق. كل كلام العالم لا يساوي عصا أمن مركزي أو رصاصة مطاطية واحدة. لاحظ أنني أتكلم عن خبرة خمسة عشر عامًا تقريبًا في كتابة المقالات.

لهذا أشعر بالحرج في كل مرة يرسل لي أحد الأصدقاء قضية مهمة تستحق التنويه، أو تستأهل أن تنال حملة إعلامية، فأنا أشعر بخجل شديد لأن النتيجة غالبًا هي مقال أنشره ثم ينتهي كل شيء.. لا تأثير على الإطلاق. ويندهش الصديق لأنه لم يتوقع ألا يكون لي تأثير لهذه الدرجة. السبب أننا في مصر يا صاحبي، ولو كتبت أن مئات الفتيات يرقصن عاريات في شارع كذا ثم يذبحن الأطفال الرضع من أجل عبادة الشيطان، ويمزجن الدم بالنبيذ ويشربنه. لو كتبت هذا فلن يهتم أحد على الإطلاق ولو حتى لمشاهدة عري الفتيات.. بالنسبة لهؤلاء القوم أنت تكتب لأنك لا تحب اللعب بأصابع قدميك.

وصلتني هذا الأسبوع رسالة غاضبة من الصديق الثائر دائمًا، المناضل طيلة الوقت، شعلة نقابة الأطباء أحمد حسين، وهو من الطراز الثورجي الذي (يودي في داهية) كما تعلم. خطابه يوشك أن يكون إعادة سرد لمسلسل الراية البيضاء للراحل أسامة أنور عكاشة، فلم يبق إلا أن ترى سناء جميل تطلب التمساحة من (حمو).

يحكي أحمد حسين عن وقفة احتجاجية  يتم التنظيم لها ليوم 7 مايو – الخطاب وصل في أول مايو –  أمام العيادات الخارجية بمستشفى العباسية للصحة النفسية بطريق صلاح سالم.

محافظة القاهرة – حسب كلام د.أحمد – تحاول الاستيلاء على أجزاء من مستشفى العباسية العريق، وبالذات حديقة العروبة. وهي تطالب بمعاينة المستشفى ربما لإخلاء المرضى والعاملين ونقلهم لأطراف العاصمة، مع تحويل المستشفى إلى مشروع استثماري. لنتذكر أن المستشفى هو أقدم مستشفى للطب النفسي في الشرق الأوسط إن لم يكن في العالم ويرجع تاريخه إلى عام 1880.

طالب الأطباء باعتبار المستشفى أثرًا تاريخيًا لا يجوز هدمه أو الاعتداء عليه. طلبوا كذلك إتمام المشاريع الخاصة بـ :
  • وحدة علاج الإدمان.
  • وحدة طب نفس الأطفال والمراهقين والتي تعد الأولى من نوعها على مستوى الجمهورية.
  • مشروعات شبكة مكافحة الحريق والتليفونات والربط الإلكتروني.
  • مشروع متحف تاريخ الطب النفسي.

يحكي في شيء من التفصيل:
«خاطب اللواء سيد الشاهد مساعد وزير الصحة للشئون المالية والإدارية في 19/3/2017 مستشفى العباسية للصحة النفسية للسماح لمندوبي محافظة القاهرة بدخول حرم المستشفى لعمل بعض المعاينات اللازمة لعملهم، وأعقبها بخطاب في 2/5/2017 موجه إلى رئيس الإدارة المركزية لحماية أملاك الدولة ومدير مديرية الإسكان ورئيس حي غرب مدينة نصر بمحافظة القاهرة بطلب إرسال مرشحين من تلك الجهات للجنة المختصة بمعاينة المكان الواقع بحرم مستشفى الصحة النفسية بالعباسية وذلك يوم الأحد الموافق 7/5/2017 بمقر المستشفى مذيلاً خطابه بأن الأمر هام وعاجل. هناك نزاع بدأه وزير الصحة السابق، د.فؤاد النواوي، أمام مجلس الدولة ضد محافظة القاهرة لاسترداد حديقة العروبة المملوكة للمستشفى والتي استلمتها المحافظة لتجميلها……………………

تلك المخاطبات تثير علامات الاستفهام والشكوك القوية حول تلاقي مصالح لإعادة محاولة الاستيلاء على أرض مستشفى العباسية، وتعيد إلى الذاكرة أنه على مدار عقدين من الزمان كانت أرض مستشفى العباسية للصحة النفسية محط أنظار كثير من الجهات المختلفة أصحاب التوجهات الاستثمارية، فتكررت محاولاتهم المستميتة للاستيلاء على أرض المستشفى غير عابئين بأكثر من ألف وخمسمائة مريض نزلاء هذا المستشفى ولا يشغل تفكيرهم كون المستشفى تاريخًا وأثرًا لتطور الطب النفسي على مدى القرن.

المحاولة الأشهر والأفج هي تعليمات حاتم الجبلي وزير الصحة في عهد مبارك في أكتوبر 2010 بإخلاء المرضى جزئيًا من المستشفى تمهيدًا لنقلها كاملاً إلى مدينة بدر وذلك تمهيدًا لإقامة مشروع استثماري، وتضافرت جهود جميع المخلصين المدافعين عن حقوق المرضى من العاملين بالمستشفى ومنظمات المجتمع المدني والإعلام والرأي العام ونجحت في إفشال تلك المحاولة وانتهت بتصريح حسني مبارك في 30/12/2010 وكان ذلك آخر تصريح له قبل أن ينتهي كرئيس.

استمرأت محافظة القاهرة محاولات الاستيلاء على أجزاء جديدة من المستشفى فاقتحمت المستشفى ليلاً وسلمت موقعًا به لشركة اتصالات مصر لإقامة محطة تقوية المحمول على هيئة شجرة داخل المستشفى، غير عابئين بالأضرار الصحية على المرضى والعاملين مقابل الربح، وفوجئ العاملون صباح اليوم التالي بأعمال الحفر والخرسانة لإقامة المحطة وقاموا بطرد الشركة من المستشفى وإلزامها بإعادة الموقع إلى أصله وحرر العاملون المحضر رقم 4306 إداري قسم ثان مدينة نصر».

كما قلت لك: مسلسل الراية البيضاء يتكرر، ولكني أعرف يقينًا أن الأطباء والعاملين سيربحون هذه المرة بسبب عنادهم وقوة إرادتهم ونبل مطلبهم. فيما عدا هذا فقد أرضيت ضميري ونشرت هذا المقال، ولكن لتسامحني يا أحمد، فلا أتوقع أي رد على كلامي من أي جهة. هذا نموذج فريد على كون الكلمة عديمة التأثير في مصر كما قلت لك.