قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Monday, December 3, 2012

ضد الجميع




أشهر عبارة يسمعها المرء اليوم من كل من عادى الثورة أو أعلن رفضها منذ قامت هى: «ألم نقل لكم؟..» أو «كنا بعيدى النظر». وهذا يثير جنونى لأننى راهنت على فوز الثورة منذ البداية، وأؤمن أن الثورة تفشل عندما يتكلم الناس عن فشلها كحقيقة واقعة، كما فعلت دير شبيجل فى ذلك الحوار المنحوس مع البرادعى حيث تقول: «هل يمكن القول إذن إن ثورة مصر هى بداية فشل الربيع العربى؟». منذ أعوام وفى أحد المنتديات افتتح أحد القراء الخبثاء موضوعا عن انهيار مستوى قصصى ومقالاتى. هذا جعل فشل القصص حقيقة واقعة يتم البناء فوقها ولا تحتمل الجدل

هذه أيام سوداء بحق، وما زال ذلك الخوف المزمن من نشوب الحرب الأهلية يلاحقنا..عام ونصف يلاحقنا وكلما بدا أنه تراجع لاح من جديد. المشكلة هى ذلك الجنون المزمن الذى يصيب الناس ويجعلهم يصممون على الانتحار بلا سبب واضح، أو لأسباب تبدو لهم منطقية. وفى الوقت ذاته تشعر أن الجميع لا يعبأ بمصر حقا.. هى مواقف مجانية من أجل الوصول للحكم لا أكثر. لا أحد يفهم الديمقراطية التى يلوكونها كاللادن فى فمهم.. شعارهم هو: أى ديمقراطية لا تقودنى للحكم لا تساوى مليما

ما زال احتقان الإعلان الدستورى قائما، وما زالت القوى السياسية معتصمة فى التحرير، وما زال مرسى مصمما على موقفه. موقفه الذى قد يمكن فهمه لكن لا يمكن تبريره: «لابد من بعض الدكتاتورية وإلا أفلتت الأمور تماما، فهؤلاء القوم قادرون على الجدل إلى يوم الدين، ولن يكتب الدستور أبدا». أو كما يقول أحد المثقفين: «هذه حلقة مفرغة اسمها (لا أستطيع التطهير بسبب القضاء - لا يمكنك التحكم فى القضاء - إذن لن أستطيع التطهير بسبب القضاء - إلخ.......)، لا مفر من كسر الحلقة. فى رأيى هو لم يخلق ديكتاتورية جديدة، هو اغتصب ديكتاتورية من القضاء المؤله، وهو صراع ديناصورات، تقوم فيه بعض السحالى -نحن- بالتشجيع والانتقام من بعضنا البعض، كمشجعى الأهلى والزمالك, وأرى أن أغلب الرموز فى الجانب الآخر هم من عينة ( ونحن أحق بالملك منه )!!»ـ

كلام جميل أوافق على معظمه، لكنى بالتأكيد لا أقبل طريقة احتلال التحرير بالمؤيدين فى كل مرة، وقبل أى قرار أو إعلان جديد. لا يمكن حكم الدول بهذه الطريقة، وإلا لأمكن تمرير أى شيء وأى قرار، ولبقى الإخوان يحكموننا للأبد. وقد أدرك خصوم مرسى أنه استعراض قوى؛ لذا كان الحشد يوم الثلاثاء الماضى مما يدير الرءوس، على غرار: سنريكم أن الليبراليين قادرون على ملء التحرير. ليست هذه لعبة الإسلاميين فقط

فعل عنيف ورد فعل أعنف واحتقان مزمن وانسداد لا شك فيه. أعتقد أن الحل فى يد مرسى وهو القادر على نزع فتيل القنبلة قبل أن تنفجر.. وأذكره أن مبارك كان يملك الكثير من الفرص للتراجع لكنها سياسة العناد. أشك كثيرا فى أن خصومه سوف يتراجعون، ولن يصدق أحد موضوع الأشهر الثلاثة هذا وإلا لصدقنا مبارك عندما طلب مهلة لتسوية الأمور أيام ثورة يناير

لكن الرئيس قادر على التراجع وعلى الاحتفاظ بماء الوجه. المشكلة أن الناس تزداد عنفا وجنونا بشكل غير مسبوق.. كان هناك مقال لكاتب محترم هو وائل قنديل، قال فى بدايته إن ما قام به مرسى فتح المجال للفلول كى تذهب إلى التحرير.. يعنى هو يلوم مرسى برغم كل شيء ولم يتهم من فى التحرير أنهم فلول.. الكلام واضح لأى شخص حصل على الشهادة الابتدائية. فوجئت بصديق مثقف ينفجر فى سباب لا يمكن ذكر حرف منه هنا، لأنه فهم أن وائل قنديل يزعم أن من يملأون التحرير هم فلول. قال إنه لم يطق قراءة باقى المقال. أصابنى الذهول من هذا التوحش المسعور وكل هذه العصبية لدرجة عدم تحمل ذرة حياد واحدة.. لقد جن الجميع إذن

يجب أن يتكلم المرء كذلك عن القوى الثورية التى خذلته أو صدمته كثيرا.. بهذه الطريقة لم يعد المرء يعرف إلى أى جدار يستند.. هناك بديهيات فى حياتى تم هدمها بسهولة تامة فى الأيام الماضية، حتى أننى وجدت أن السياسة المثلى هى أن أجلس فى بيتى أكتب قصص الرعب، وأتابع أخبارهم فى التلفزيون والتوك شو

لا شك أننى ممن قاتلوا بحرارة فى صف البرادعى، وسخرت بشدة من كل من اتهمه بتضييع العراق أو التحالف مع الغرب، لكن الرجل يجردنى من أسلحتى ببساطة فى ذلك الحوار المشئوم مع مجلة دير شبيجل. إنه يصف من يحكمون مصر بأنهم ينكرون الهولوكوست.. من جاء بسيرة الهولوكوست هنا سوى رغبتك فى تملق الغرب؟.. أنت تعرف أن إنكار الهولوكوست لدى الغربيين ألعن من الكفر بالله. وتقول إن على الغرب التدخل، ويجب وقف المعونة الأمريكية لمصر.. حصلت على الحوار بالألمانية وقمت بترجمته للإنجليزية حتى لا يقال إنه لم يقل هذا.. فيما بعد قال منكرا فى موضع آخر: « أنا لم أقل إنه تم انسحاب البعض من التأسيسية بسبب إنكارهم للهولوكوست، وإنما قلت إن بعضهم ينكرون الهولوكوست ويحرمون المعازف».  هكذا ينفى عن نفسه تهمة لم يطلقها أحد أصلا.. ما فهمناه هو ما قاله فعلا. كل هذا يا عم برادعى لأنك لا تحب مرسى؟.. مرسى ارتكب أخطاء وفشل فى أشياء لكنه – بالتأكيد - ليس قائد جيش الاحتلال

أيضا لم أعد أحتفظ بنفس الحماس لحمدين صباحى للأسف، وقد كنت أبشر فى كل مكان بالنسر الأسطورى ذى المبادئ الناصرية الذى جاء ليعيد لنا الكرامة. ها هو ذا يرفض نتائج الانتخابات التى شارك فيها لمجرد أنها لم تأت به.. بل هو يرفض كل شيء فى الواقع.. وفى صورة شهيرة على النت يتكلم عن رفض الإعلان الدستورى، بينما يقف جواره موافقا حسين عبدالغنى مراسل الجزيرة السابق، صاحب عبارة (ما ترد عليه انت يا حسين) الشهيرة من جمال بيه مبارك. أتمنى فعلا أن يحكمنا هؤلاء لنرى ما سيفعلون، وكيف سيصير راتب الموظف ستة آلاف جنيه وتتوقف حوادث القطارات ويصفو المرور خلال أسبوع. لو لم يحدث هذا فهم يجيدون الكلام جدا

هذا يقودنا إلى ذلك التحالف الجديد المريب ضد الإخوان: تحالف بعض الفلول وبعض الثوار !...(أقول بعض) يبدو هذا غريبا لكنه حقيقى. واليوم نجد (بعض) الثوار وأحمد شفيق فى معسكر واحد لأن العدو واحد. وائل قنديل كان دقيقا فى مقاله فعلا

حتى عبدالحليم قنديل المناضل العظيم يقول إن صلاة مرسى كلها نفاق وإدعاء. من الممكن أن ننقد سياسات مرسى ونمزقها تمزيقا، لكن ماذا نعرف عن صلاته حقا؟.. هل شققت صدره؟ الكراهية تتجاوز حدود المنطق أحيانا فتنقلب على صاحبها

وعندما يلوح الدكتور السيد البدوى بصورة عبدالناصر برغم كل الاختلاف الأيديولوجى بين الزعيم الراحل ومبادئ الوفد، مع علمنا أنه فى ظروف أخرى يمكن أن يحرق الوفديون هذه الصورة ذاتها، فإننا نعرف أن الإعلان الدستورى صار مثل حقوق الشهداء طريقة للمزايدة لا أكثر

ربما يحلو للبعض أن يعتقد أننى لم أهاجم إبراهيم عيسى قط من منطلق أنه رئيس تحرير هذه الجريدة ولأنه صديق شخصى. الحقيقة أننى أختلف معه كثيرا لكن الرجل واضح منذ البداية وصريح، ولم يغير مواقفه، ولم يستعد الغرب علينا أو يتكلم عن الهولوكوست بلا مناسبة

كلهم يريد حرق مصر على أمل أن يحكموا ما تبقى من الخرابة المسودة التى يتصاعد فيها الدخان. ومن جديد تعالت نغمة: ليت حسنى مبارك يخرج من السجن ليحكمنا من جديد.. لقد كانت الثورة خطأ جسيما.. وكل سائق تاكسى يقول لك: حد كان يقدر يعمل كذا أو كذا أيام مبارك؟

الكل صار عصبيا ومتعصبا.. والمشادات والجدل لا تنتهى حتى بين أفراد الأسرة الواحدة. وكثيرون يؤمنون أننا بحاجة إلى أتاتورك لأننا شعب غوغائى لا يحتمل الديمقراطية أو اختلاف وجهات النظر. ولا شك أن شيئا من هذا تسرب إلى مرسى من مستشاريه

الحل الوحيد يا سيدى الرئيس هو قطع الذرائع. تراجع من فضلك لأن أعداءك كثيرون جدا وقد قدمت لهم فرصة تمزيقك على طبق من فضة. أؤيد عمل استفتاء على الإعلان الدستورى، وإن كنت أعرف أنهم يجهزون مانشيتات الصحف من الآن: «بالدليل.. الاستفتاء مزور.. الحرية والعدالة اشترى الفوز فى الاستفتاء بالزيت والدقيق». لكنك على الأقل ستكون قد قمت بما ينبغى ان تقوم به. وعلى فكرة أنا سأذهب لذلك الاستفتاء لأقول: لا